المقريزي
173
رسائل المقريزي
وذلك أنه برز المرسوم الشريف ، لموالينا قضاة القضاة ، أعز الله بهم الدين ، أن يلزموا شهود الحوانيت ، بأن لا يكتب سجل أرض ، ولا إجارة دار ولا صداق امرأة ولا مسطور بدين ، إلا ويكون المبلغ من الدنانير المؤيدية ، ويبرز أيضا للدواوين الملكية ودواوين الأمراء ، والأوقاف ألا يكتبوا في دفاتر حساباتهم متحصلا ولا مصروفا إلا من الدراهم المؤيدية ، فتصير الدراهم المؤيدية ينسب إليها ما عداها من النقود ، كما جعل الله تعالى الملك المؤيد عزّ نصرة ، يضاف إليه ويتشرف به كل من انتسب أو انتمى إليه ، والله تعالى أعلم . وأما الفلوس ، فإنه لم تزل سنة الله في خلقه وعادته المستمرة ، منذ كان الملك إلى أن حدثت الحوادث والمحن بمصر ، منذ سنة ست وثمانمائة ، في جهات الأرض كلها - عند كل أمة من الأمم ، كالفرس ، والروم ، وبني إسرائيل ، واليونان والقبط والنبط ، والتبابعة ، وأفيال اليمن ، والعرب العاربة والعرب المستعربة ، ثم في الدولة الإسلامية ، من حين ظهورها . على اختلاف دولها التي قامت بدعوتها ، كبنى أمية بالشام والأندلس وبنى العباس بالعراق ، والعلويين بطبرستان وبلاد المغرب ، وديار مصر والشام وبلاد الحجاز واليمن ودولة بنى بويه ، ودولة الترك بنى سلجوق ، ودولة الأكراد بمصر والشام ، ودولة بنى مرين بالمغرب ، ودولة بنى نصر بالأندلس ، ودولة بنى حفص بتونس ، ودولة بنى رسول باليمن ، ودولة الحطى بالحبشة ، ودولة بنى تيمور لنك بسمرقند ، ودولة بنى عثمان بالجانب الشمالي الشرقي - أن التي تكون أثمانا للمبيعات ، وقيم الأعمال ، إنما هي الذهب والفضة فقط . ولا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عند أمة من الأمم ، ولا طائفة من طوائف البشر ، أنهم اتخذوا أبدا في قديم الزمان ولا حديثه نقدا غيرهما ، إلا أنه لما كانت في المبيعات محقرات تقل عن أن تباع بدرهم ، أو بجزء منه ، احتاج الناس من أجل هذا في القديم والحديث من الزمان إلى شيء سوى الذهب والفضة ، يكون بإزاء تلك المحقرات ، ولم يسمّ أبدا ذلك الشئ الذي جعل للمحقرات نقدا البتة ، فيما عرف من أخبار الخليقة ، ولا أقيم قط بمنزلة أحد النقدين ، واختلفت مذاهب البشر وآراؤهم فيما يجعلونه بإزاء تلك المحقرات ، ولم يزل بمصر والشام وعراقي العرب والعجم وفارس والروم في أول الدهر وآخره ، ملوك هذه الأقاليم ،